عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
225
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
إماماً في المذهب ، مائلاً إلى الحجة . خطب ودرس واشتهر اسمه ، وسمع جزء الأنصاري ، وامتنع من الرواية ، وكان يوهن بعض المسائل لضعف دليلها ، ويلقي دروساً مفيدة متقنة يدهش من يسمعها ويزجر من يعارضه ، وكان متصوفاً متديناًً ، مليح البزة ، حسن الشكل ، لا يخضع لقاضٍ ولا أمير ، ولا تأهل قط . درس بالمنصورية وغيرها . تفقه على البرهان المراغي ، فقرأ عليه التحصيل في الأصول وحفظه ، وسمع من جماعة ، وعين للقضاء لكن في خلقه زعارة وعنده قوة نفس ، وقلة إنصاف ، وله أخبار في نفوره وزعارته . قلت : هكذا نقلوا عنه ، وأخبرني بعض الفقهاء المصريين أنه كان يقرر المسألة حتى لا يخلي لأحد معه كلاماً ، فإن جاء أحد يتكلم . فال : إيش تريد تفسر ، ومن زعارته ما حكى لي بعض الفقهاء الفضلاء المصريين بعد أن جرى لي معه قضية ، وهي أنه جاءني يطلب مني إعارة نسخة كتاب الحاوي ، وكانت عندي عارية للقاضي نجم الدين الطبري ، وذكر أنه أذن له في أخذها مني ، فامتنعت من دفعها إليه ، فخرج من عندي مغتاظاً ، فلقي بعض الفقهاء المكيين ، فشكا عليه ذلك ، وقال : جئته ، فلم يقم لي وامتنع من دفع الكتاب إلي فهون عليه ذلك ، وكنت قد قلت له : لو جاء صاحبه ما أعطيته إياه ، وقال له : إنه يدل على القاضي يعني له عند القاضي منزلة ومودة ، فلما كان بعد ذلك بأيام جاءني وأنا في المسجد الحرام ، وعندي جماعة يشرحون على الكتاب المذكور ، فقال لي : أحب منك أن تعيرني الكتاب أنت ، فأنا أعتقد أنك ما تحتاج إليه ، فقلت له عند ذلك بعدما أنعمت له به : ما أنت إلا صبرت على جفائي بجلافة خلقي ، فتبسم عند ذلك ، وقال ما معناه المدح لي ، وبقي ما ذكرت من الخلق المذكور ، ثم بعد ذلك شرع يحكي حكاية جرت له مع الشيخ زين الدين المذكور ، وقال : جئت مع والحي إليه ، فلما قربنا من الباب قال لي والدي : لا تدخل معي بل قف قليلاً ، ثم ادخل قال : فلما دخل والدي ، فسلم سمعته يقول له البعيد : حمار قال : ثم وقفت قليلاً ، ودخلت فقال لي : إيش أنت ، فقلت : يا سيدي جحش ولد ذلك الحمار ، فضحك هو ، ومن عنده قلت : وبلغني أنه كان يستحضر . سنة تسع وثلاثين وسبع مائة هلك في شهر رجب منها ستون نفساً بالزلزلة في طرابلس الشام . وفي الشهر المذكور قدم الإمام العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي متولياً قضاء القضاة في البلاد الشامية ، وفرح العالم به لدينه وعفته وعلومه الباهرة ، وأوصافه الجميلة . وفيها توفي الإمام العلامة بدمشق ، قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن